ابراهيم بن عمر البقاعي
379
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أي يوجدون الضلال بإهمالهم التقوى الموجب لاتباع الهوى المقتضي لأن يكون متبعه ضالّا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أعاده تفخيما لأمره وتيمنا بذكره وإيذانا بأن سبيله مأمور به مطلقا من غير تقييد بداود عليه السّلام ولا غيره فيه لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ أي بسبب ضلالهم . ولما أمر سبحانه ونهى ، وذكر أن السبب في النهي كراهة الضلال وعلم منه أن سبب الضلال الهوى ، ذكر سبب هذا السبب فقال معبرا بالنسيان إشارة إلى أنه من شدة ظهوره كما كان محفوظا فنسي ، وفك المصدر لأنه أصرح لأنه لو عبر بالمصدر لأمكن إضافته إلى المفعول ، واختيرت ( ما ) دون إِنَّ لأن صورتها صورة الموصول الاسمي ، وهو أبلغ مما هو حرف صورة ومعنى : بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ أي عاملوه معاملة المنسي بعضهم بالإنكار وبعضهم بخبث الأعمال ، فإنهم لو ذكروه حقيقة لما تابعوا الهوى المقتضي للضلال على أنه مما لا يجهله من له أدنى مسكة من عقل فإنه لا يخطر في عقل عاقل أصلا أن أقل الناس وأجهلهم يرسل أحدا إلى مزرعة له يعملها ، ثم لا يحاسبه عليها فكيف إذا كان حكيما فكيف إذا كان ملكا فكيف وهو ملك الملوك ، وقال الغزالي في آخر كتاب العلم من الإحياء في الكلام على العقل : ثم لما كان الإيمان مركوزا في النفوس بالفطرة انقسم الناس إلى من أعرض فنسي ، وهم الكفار ، وإلى من جال فكره فتذكر ، وكان كمن حمل شهادة فنسيها بغفلة ثم تذكرها ، ولذلك قال تعالى لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ [ المائدة : 7 ] وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ القمر : 17 ] وتسمية هذا النمط تذكرا ليس ببعيد ، وكأن التذكر ضربان : أحدهما أن يذكر صورة كانت حاضرة الوجود في قلبه ، لكن غابت بعد الوجود ، والآخر أن يكون عن صورة كانت متضمنة فيه بالفطرة ، وهذه حقائق ظاهرة لناظر بنور البصيرة ثقيلة على من يستروح إلى السماع والتقليد دون الكشف والعيان - انتهى . وقد علم من هذه القصة وما قبلها أن المعنى : اصبر على ما يقولون الآن ، فلننصرك فيما يأتي من الزمان ، ولنؤيدنك كما أيدنا داود العظيم الشأن . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 27 إلى 30 ] وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ( 27 ) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ( 28 ) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 29 ) وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 30 ) ولما كان التقدير : فما قضيناه في الأزل بيوم الحساب وتوعدنا به سدى ، عطف